القاضي التنوخي
386
الفرج بعد الشدة
فقال : دع ما مضى ، فإنّ الحال لا تحتمل الإسراف ، فأقبل يشرب ، وأنا أساعده ، فتغنّى من وراء الستارة ، ثلاث جواري في نهاية طيب الغناء ، كلّ واحدة منهنّ أطيب من الّتي أنفق عليها ماله . فلمّا طابت أنفسنا ، قال لي : تذكر أيّامنا الأوّلة ؟ قلت : نعم . قال : أنا الآن في نعمة متوسّطة ، وما قد أفدته من العقل ، والعلم بأمر الدنيا وأهلها ، يسلّيني عمّا ذهب منّي ، وهو ذا ترى فرشي ، وآلتي ، ومركوبي ، وإن لم يكن ذلك بالعظيم المفرط ، ففيه جمال ، وبلاغ ، وتنعّم ، وكفاية ، وهو مغن عن الإسراف ، والتخرّق ، والتبذير ، وقد تخلّصت من تلك الشدّة ، تذكر يوم عاملتني فلانة المغنّية ، بما عاملتني ؟ قلت : نعم والحمد للّه الّذي كشف ذلك عنك ، فمن أين هذه النعمة ؟ قال : مات مولى لأبي ، وابن عمّ لي ، في يوم واحد بمصر ، فحصل لي من تركتهما أربعون ألف دينار ، فوصل أكثرها إليّ ، وأنا بين القطن كما رأيتني ، فحمدت اللّه ، واعتقدت التوبة من التبذير ، وأن أدبّر ما رزقته ، فعمّرت هذه الدار بألف دينار ، واشتريت الفرش ، والآلة ، والجواري بتسعة آلاف دينار ، وسلّمت إلى بعض التجّار الثقات ، ألفي دينار ، يتجر لي بها ، وأودعت بطن الأرض عشرة آلاف دينار ، للحوادث ، وابتعت بالباقي ضيعة تغلّ لي في كلّ سنة نفقتي هذه الّتي شاهدتها ، فما أحتاج إلى قرض ، ولا استزادة ، ولا تقبل غلّة ، إلّا وعندي بقية من الغلّة الأوّلة ، فأنا أتقلّب في نعمة اللّه ، عزّ وجلّ ، كما ترى ، ومن تمام النعمة ، إنّي لا أعاشرك ، ولا أحدا ممّن كان يحسّن لي السرف ، يا غلمان ، أخرجوه . قال : فأخرجت ، فو اللّه ما أذن لي بعدها في الدخول عليه « 13 » .
--> ( 13 ) وردت القصّة في نشوار المحاضرة 1 / 93 ، ولم ترد في م ولا في غ .